| قصة قصيرة جارنا الذي كان يعاقر الخمر وضوء القمر أحمد الملك ahmadalmalik98@yahoo.com حين تفرقت السحب من على صفحة السماء بفضل الرياح المسائية، رأيت قمر الساعة السابعة مساء يبرز فجأة مثل قرص من الفضة، يملك قدرة خفية على اضاءة أكثر أزقة الذاكرة نسيانا ، كان يبدو وحيدا كأن أحدهم نسيه في الفضاء، كأنه لا تربطه أدني صلة بالعالم الذي يطل عليه، ساعي البريد المتعجل وهو يلقي بحزمة فواتير الساعة الواحدة، الحمام الجالس في الشرفات الغاصة بالزهور، المطر الكئيب في عطلات نهاية الاسبوع. رأيت القمر وتذكرت اهل القرية البعيدة الذين كانوا حين يرونه بدرا يسرعون لاحضار نقود قليلة ليراها القمر فيكون الشهر القمري عليهم خيرا وبركة. أري القمر يقترب مني بومضة كئيبة متعالية. هل رأيتم من قبل قمرا يقتحم الذاكرة، اضاء دخول القمر فناء منسيا في ذاكرتي فرأيت نور الدين. رأيته يسير خلف أمه الطيبة .. يحملان جوالات الخيش الفارغة ويذرعان البلدة النائمة في غبار الفضة.، بحثا عن غذاء لثروتهما الصغيرة من الضأن والماعز.. يواجهان عسف المزارعين الذين لا يسمحون لأصحاب البهائم بالدخول الي مزارعهم: لأن قطع الحشائش الصغيرة يجعل زراعتهم تعطش سريعا. يتجولان من مزرعة الي اخري حتي يقبل أحدهم بدخولهم الي حواشته... تمضي بهما كانت الايام، تكاد كلها تتشابه مثل حلقة أبدية دون نهايات، في المرة الاولي حين رأيت نورا، كان معنا عمال في البيت يقومون بحفر بئر، حين دخلت الي البيت وجدت امرأة من جيراننا تساعد امي في صنع الاكل، كانت تجلس الي الصاج الضخم وهي منهمكة في صنع خبز القرّاصة، وبدت لي بلونها الفاحم وكأنها جزء من الصاج الاسود الضخم، لاحظت انها تصنع القراصة بطريقة غير التي اعتدنا عليها مع والدتي، بعد ان تضع العجين فوق الدوكة كانت تقوم بفتح أبواب فيه كل بضع ثوان لتختبر ان كان العجين قد نضج من الداخل، بدت لي تلك الطريقة مستهجنة وغير حضارية واعلنت أمامها: هذه المرأة لا تعرف كيف تصنع القرّاصة! كانت تلك إهانة لا تغتفر من شاب غر وصل للتو من العاصمة ولا يعرف شيئا عن العالم الحقيقي، لحسن الحظ أنها لم تفهم أو تكترث لما قلت فقد كنت اتحدث من طرف أنفي بخليط من الفصحى ولهجة العاصمة، وبعد سنوات حين اصبحنا اصدقاء قالت لي انها حسبت انني كنت انذاك اتحدث الانجليزية.. فقد كانت هي تتحدث اللهجة الدنقلاوية . تذكرت قصة قريب لنا ذهب ليدرس في جامعة الخرطوم ولدي عودته في اول عطلة دراسية كان يتحدث العربية بطلاقة عاصمية، وحين يسأله الناس برطانة الدناقلة عن الاحوال في العاصمة كان هو يجيب بالعربية الفصحي، حتي ان احد جيراننا تساءل قائلا: الولد دة بقي شيوعي ولا شنو؟ مضت حياتهما علي نفس الوتيرة حتي بعد ان دخلت الكهرباء الي القرية، منتصف الثمانينات، جاء بعض اهل القرية الذين يعملون في السعودية واشتروا محركا صغيرا لانارة القرية وطلبوا من الناس انشاء جمعية تعاونية تتولي ادارة الوابور وتحصيل التكلفة بفرض مبلغ من المال علي كل بيت شهريا وقف احد جيراننا المسنين معترضا علي مشيئة التغيير ودافع عن وجهة نظره بأن الكهرباء ستفسد الاولاد! واشتكت احدي جاراتنا ان ديوكها لبثت مستيقظة طوال الليل في اول ايام الكهرباء معتقدة ان الشمس نسيت ان تغرب او انها غربت ثم اشرقت بعد قليل في منتصف الليل. وقال جار اخر كان يعاقر الخمر وضوء القمر: ان الكهرباء قد تجلب لنا الشرطة والمشاكل! وقال النور : ان الظلام أفضل.. فضحك حاج الطيب وذّكره أن كراهته للكهرباء تناقض إسمه. وفي حين كانت الاجتماعات تنعقد وتنفض مضت وتيرة حياتهما دون تغيير يذكر وامتدت مشاويرهما بحثا عن الحشائش للضأن والماعز.. وحين جاءت الكهرباء قالت نورا : نحن لا نحتاج اليها لأننا ننام حينما يأتي المساء. وقال نور الدين : ربما يرسل لنا أخي ساتي جهاز تلقزيون نري فيه الناس الذين يعيشون في العالم الآخر. وكان يقصد الاحياء لا الموتى في العاصمة القومية، لم تخف نورا خوفها من الكهرباء فبسبب حيل إغراء الحياة العصرية هجر ابنها الأكبر القرية، وقبل سفره كاد يصيب نورا بالجنون حين ركب طائرة بعثة أجنبية تنقب عن الآثار في المنطقة كان ساتي يعمل معهم احيانا، انطلقت الطائرة الى السماء وانطلقت نورا تصرخ وتعدو في القرية محاولة تتبع طائر الموت الذي خطف ابنها، وحين هبطت الطائرة عائدة كانت نورا فوق سقف أحد مخازن الحبوب، على وشك الاقلاع من خلف الطائرة بجناحين صنعتهما على عجل من بقايا شراع مركب، تبخرت الواقعة من ذاكرتها ليحتفظ بها ساتي كمجد أوحد في حياته كان يعلنه حين يذّكر الناس كل مرة أنه كان أول من ركب طائرة في الإقليم وربما الوطن كله، كان يقول: (وكت أنا ركبت الطيارة، شيخ الزبير في السما ما شافها!) .. ولنساعدها في الدخول الى العولمة، ذهبت انا واخي وقمنا بتركيب لمبات كهربائية في بيتها علي قواعد من الخشب بدلا من اللمبات الباهظة التي جاء احد سماسرة الكهرباء يسحبها من خلفه بمجرد ان أطلت الكهرباء بوجهها. قال حاج الطيب: العقارب الكل يوم معاكم دي حتروح في ستين داهية! وضحك الجار الذي كان يعاقر الخمر وضوء القمر وقال : اذا طفشت العقارب سيفلس شيخ عثمان! وكان شيخ عثمان يسترزق من التلاوة علي من تلدغهم العقارب! وقال الصادق صديق المزارع واشتهر باللقب لأنه كان يخلد للنوم كل يوم ولا يذهب للحواشات الا بحثا عن الأنس معتمدا علي ما كان يرسله اخوه المغترب في السعودية، وكان يردد دون مناسبة القول الشهير : تجري جري الوحوش غير رزقك ما تحوش، ورغم انه لم يكن يجري مطلقا الا انه كان يحوش ما يكفي بقاءه علي قيد الحياة، اضافة لمؤونة من دخان القمشة كان يبرزها في شكل نعمة مغشوشة حين يقوم بلفها في الورق في البيت ويضعها في صندوق سجائر البنسون الفارغ الذي يضعه بفخر في جيب جلبابه الشفاف. .. قال : الكهرباء أخير أحسن الناس تبطل نوم المغرب زي الدجاج! فقال له شيخ النور الذي قرر تغيير اسمه الي شيخ الظلام: الايدو في الموية ما زي الايدو في الكهرباء، نحن لو قاعدين ساكت زيك ما كنا بننوم نهائي. أقلاهو كنا بنقوم الليل وما زي قيامك بالعرقي! وفجأة قال السر الشهير بالسر النضّام يا اخوان انا عندي راي! ما ان بدأ السر النضّام يقول رأيه حتي برز خيط عنكبوت خفيف في الغرفة التي سجي وابور الكهرباء داخلها. كانت الاجتماعات تنفض وتنعقد حول وابور الكهرباء فيما تمضي حياتهما علي نفس الوتيرة، غضب سمسار الكهرباء الذي جاء الي بيتها يسحب لمباته البائرة وقال لها: بيتك بيت الاستهانة يجوا عيال المدرسة يركبوا ليك لمبة زان! كان حديثه مقنعا، كان يمكن تصديق السماسرة في القرن الماضي، حتي ان نورا نزعت اللمبات وهي مضيئة وهشمتها علي الارض، مثيرة علي الارض عجاجا من غبار النيون، فيما انهمك السمسار في تركيب لمباته، وحتي لا يجعلها الغضب تنسي ان تدفع له تكلفة اللمبات قال لها ملاطفا: أهلك كلهم سمحين، اشمعني انتي طلعتي شينة كدة؟ أحالته بعنف الي المسئول الحقيقي، قالت والشرر الأحمر يتطاير من عينيها: أسأل أمي وأبوي! كان مسنا ومهلهل الجسم، ورغم أن منظره يوحي بانه يمتلك الحكمة ويستطيع حل أية مشكلة في العالم لكنه كان يتعارك مع الأسلاك ولمبات الكهرباء ويسب الدين عدة مرات، حتى ينجح في كل مرة في توصيل احدى اللمبات التي تشتغل بفضل الصدفة. وكاد وابور الكهرباء يحترق عدة مرات بسبب توصيلاته الخاطئة. حكى لنورا أنه هجر الزراعة وامتهن كل شئ آخر بسبب قلة عائدها. وأنه اصبح مسنا لا طموح له أبعد من موت هادئ في فراشه نهارا فقد كان يؤمن بقداسة النوم الليلي وأنه ما من شئ في الدنيا يمكن أن يبرر إزعاجه وقطع استغراقه في النوم ليلا، لكنه كان يعمل لتوفير بعض المال ليشجع ولده الوحيد على الزواج، حكى أنه أعلن لولده ذات مساء في المسيد: يا ولدي البيت بنبيه ليك والمهر بندفعه ولو داير نساعدك يوم الدخلة ما عندنا مانع، فقاطعه أحد الحضور مشيرا لمظهره المتهالك : والله إلا تعضيها! مضت حياتهما بنفس ايقاعها، فيما إستمرت الاجتماعات لحسم معضلة هل يمكن العيش دون كهرباء، حتي الصباح المشئوم، شعر نور الدين بألم غريب في حنجرته، قال المساعد الطبي الذي ذهبا اليه مساء : هذا التهاب بسيط في الحلق وأعطاه حقنة بنسلين ونصحه بشرب اللبن.. المساعد الطبي كان رجلا طيبا ولا يحب أن يرفض طلبا لأية انسان حتي أنه قطع حديثه معهما عدة مرات لينهي صفقات صغيرة في الخارج، فقد كان تاجرا للحمير مارس الطب في اوقات فراغه الكثيرة.. الصفقة الاخيرة طالت فخرجا من العيادة الي البيت، في اليوم التالي كان الألم لا يزال مستمرا، وبعد شهر كامل تحدث فيه السر النضّام وضحك جارنا الذي كان يعاقر الخمر وضوء القمر الف مرة، وامتد فيه خيط العنكبوت في غرفة الكهرباء بضعة سنتيمترات، استمر الالم في حنجرة نور الدين. ذات مرة كان جارنا الذي يعاقر الخمر وضوء القمر نائما في لجة الضحي في منتصف الطريق العام، حين ايقظه العم ابراهيم وقال له معاتبا كيف تسكر وانت زرت بيت الله؟؟ فقال جارنا الذي يعاقر الخمر وضوء الفمر: زربوه.. ما بنمشي تاني! قال الطبيب في مدينة دنقلا : يجب أن يسافر الولد الي الخرطوم!.. باعت نورا جزءا من حيواناتها وارسلته مع بعض اولاد الجيران الي ساتي في الخرطوم، بعد أسابيع عاد نور الدين دون أن يعرف شيئا ومع ألم الحنجرة كان يحمل رسالة من سطر واحد، قرأتها لنورا، وكان مكتوبا فيها والدتي الحبيبة:: لكم السلام والتحية، بخصوص الأخ نور الدين، الأعمار بيد الله! ابنكم ساتي صعقت نورا وصرخت ان ساتي اصيب بالجنون، ذهبت الي احد الجيران القادمين من الخرطوم وعرفت ان ابنها مصاب بمرض خبيث لا شفاء منه. وقف عبدالله فوق المجتمعين وقال يا اخوان ادفعوا لنا حق الجاز وبعدين ارجعوا اجتمعوا، الجاز على وشك ينفذ، وحتقيف الكهرباء! ولو الكهرباء قطعت ما حتلقوا حاجة تجتمعوا فوقها! قاطعه السر النضّام: اسمعني كدة أنا عندي راي .... لم تقتنع نورا بأطباء الخرطوم: اللعنة تغشاهم قالت، سماسرة لابسين هدوم ملائكة.. كل همهم القرش.. الرحمة عندهم بالمال... ذهبت الي شيخ عثمان: ولدي يا بوي، جنا بطني وغتاي، ستري وروحي! المطلوب: عسل نحل اصلي اسود، وزيت سمسم، اظلاف جمل، زيت! وقف عبد الله صارخا : يا اخوانا سيبوا النقة وادفعوا قروش الكهرباء عشان نقدر نعمل صيانة للوابور ونشتري الجاز والزيت.. يا تعالوا استلموا البابور دة. وكفي الله المؤمنين شر الكهرباء! هز جارنا الذي كان يعاقر الخمر وضوء القمر زجاجة في يده واعلن: انا اهو دة جازي، حرّم دة يدور العربية الخربانة... ويخلي الراس ينور، والدنيا ذاتها تنور.. ثم طفق يغني دون الالتزام بأية سلم موسيقي أغنية بيتنا نوّر! ويعود عبد الله للصراخ ليطفو صوته فوق صوت غناء جارنا الذي كان يعاقر الخمر وضوء القمر: يا شيخ ابراهيم ولدك رسل ليك قروش عشان الكهرباء ما تدفع وتريحنا! ويقول الحاج ابراهيم وهو يتحسس النقود في جيبه: وكت اخت القريشات فوق قلبي ألقاه بق نور زي الرتينة وضوا الدنيا كلها!! وينخرط هو ايضا مثل موسيقي خلفية مشئومة في اداء اغنية بيتنا نوّر! والآم الحنجرة تزداد والصوت يختفي والرقبة تتضخم، رغم البخرات والزيوت حتي وقف عبدالله صارخا فيهم ذات صباح: يا جماعة انتو لمتين مجتمعين الحكومة انقلبت وجوا ناس اسمهم الانقاذ عساكر كتالين كتلا، وانتو ما جايبين خبر! نهض جارنا الذي يعاقر الخمر وضوء القمر صارخا وقال لا حول ولا قوة الا بالله ....الأزهري قلبوه !؟ 2004 لتحميل المجموعة كاملة: http://www.4shared.com/document/kKgHm0c0/___.html? |
Friday, May 11, 2012
دموع الرقيب عبد الحي
قصة قصيرة
أحمد الملك
ahmadalmalik98@yahoo.com
في الصباح يخرج الرقيب عبد الحي الى المدينة الصغيرة ليشتري مستلزماته القليلة، من التبغ ودقيق الذرة ولحم السمك المجفف. ثم يمر في طريقه لشراء العرقي، قبل أن يعود الى مكان عمله في الحامية الواقعة على أطراف المدينة. حين يذهب لشراء العرقي يكون في العادة مرتديا ملابسه العسكرية الكاملة. لكن لا أحد يأبه له: تمازحه بائعة العرقي قائلة في كل مرة: اذا كانت الحكومة تريد أن تغيب عن الوعي فماذا يفعل الناس الآخرون؟!
العرقي ممنوع حسب قوانين الدولة، لكن الرقيب عبد الحي لا يجد غضاضة في شربه، لم يشغل نفسه بالتفكير كثيرا لم تمنع الحكومة شراب العرقي، لكنه وبمجرد شراب الكأس الأول حين يرخي المساء سدوله بعد أن يبق طوال النهار فريسة لقلق انتظار مغيب الشمس حتى يبدأ الشراب، مجرد أن تلامس شفتيه حموضة الكأس الأول حتى يصل الى يقين أن الحكومة التي تريد حبس مواطنيها طوال اليوم في سجن الوعي، بمشاكله الكثيرة، منصرفات الأطفال وعلاجهم، الفقر والحرب والمجاعة. هي دون شك ليست حكومة صالحة.
مهمة الرقيب عبد الحي هي حراسة المتمردين الذين تلقي وحدات الجيش القبض عليهم، معظم هؤلاء المتمردين يتم القبض عليهم عشوائيا ولا دليل على أنهم بالفعل متمردون، يودعون في حراسة عبد الحي وفي الغالب لا يطول حبسهم اكثر من يوم واحد ولا يكلفون الرقيب عبد الحي سوى وجبة واحدة من غذائه القليل،قبل أن يساقون في الصباح التالي للاعدام رميا بالرصاص.
استطاع اخيرا توفير مبلغ ضئيل من المال اشترى به تليفون محمول ليطمئن أحيانا على زوجته واطفاله . الاشارات ضعيفة بسبب جبلية المنطقة يحتاج أحيانا لتغيير مكانه لتتحسن اشارات الجهاز.
حصيلة المرة الأخيرة كانت متمردا واحدا، كان يبدو مواطنا صالحا أكثر حتى ممن القوا القبض عليه.
جلس الرقيب عبد الحي على حصير أمام الزنزانة التي يقبع المتمرد داخلها. أحضر عبد الحي جركان العرقي وصحنا من البلاستيك الأحمر مملوء حتى وجهه بفتة الفول، شرب قليلا من العرقي، لا يذكر متى شرب شرابا بمثل هذا المستوى الجيد، لو أنه أشعل سيجارة ستشتعل دواخله من فرط نقاء العرقي، ضحك حين تذكر قصة رجل كان يهدد ستات العرقي يوم كسوف الشمس بالويل والثبور، ويقول لهن أن غضب السماء وانكساف الشمس بسبب غشهن للزبائن واضافة الماء للعرقي!
بعد الكأس الأول وبفعل تأثير الخمر الجيدة شعر بحاجته لتقديم معروف لشخص ما، ذهب الى قطيته القريبة وبحث عن شئ ما، عثر على كوب زجاجي متسخ، به آثار سائل متيبس ربما كان قهوة أو شاي أو أية شئ آخر، سكب في الكوب دون ان يغسله بعض العرقي وناوله للأسير من خلال قضبان الباب قائلا في سره: سيموت غدا فما المانع أن يبتهج للمرة الأخيرة في حياته، ربما ان بقي سكرانا حتى الصباح لا يشعر ولا حتى بطلقات الرصاص.
شرب الأسير الكوب دفعة واحدة، وشكر عبد الحي، قال عبد الحي: هل أنت جائع ؟ يمكنني أن اعطيك بعض فتة الفول، قال الأسير، اريد كوبا آخر من هذا العرقي القوي، من المحزن الا تكتشف وجود عرقي جيد مثله الا في آخر يوم في حياتك!.
لبث الرقيب عبد الحي برهة يفكر حين سمع قول الأسير، لم يعرف هل يبكي أم يضحك. كان يشعر بطيبة غير عادية تدفقت الى دواخله، كأن العرقي الجيد كشف الغطاء عن حقيقة نفسه العاشقة للبشر.
رن جرس تليفونه الجوال، فشرب بسرعة كأسه بعد أن اعطى السجين كأسا اخرى. كانت زوجته، يا للكارثة، صرخ بجزع: هل حدث شئ؟ ضحكت المرأة وقالت لا شئ أحضر الولد رصيدا للموبايل وقبل أن ينفد فكرنا أن نسلم عليك، لأن الشبكة تكون قوية ليلا كما يقول الناس.
سألها عبد الحي عن الاحوال ثم سأل عن جار كان مريضا قبل فترة حين زار القرية عرف أنه أجرى جراحة كاد يموت بعدها بسبب جرعة مخدر زائدة. ضحك عبد الحي عليه وقال له: لماذا توقفت عن الشراب؟ لو كنت تشرب مثلنا العرقي ،لما شعرت أساسا بالمخدر.
بعد ان انتهت المكالمة، قال الأسير: أنت تعرف عوض عباس اذن؟ هل عثر على ابنه ام لا يزال مفقودا؟
يا للكارثة قال عبد الحي في سره: لدينا أصدقاء مشتركين ايضا. ثم رفع صوته، لا يزال الولد مفقودا، يقال انه هرب الى الحبشة وتزوج بفتاة هناك. وبعض الناس يقولون انه قبض عليه بواسطة الجيش لاداء الخدمة العسكرية ومات في معارك الجنوب. لم يجد عبد الحي بدا من افشاء بعض الاسرار الزوجية ما دام محدثه سيفارق الحياة غدا. أشعل سيجارة القمشة ومد للسجين كيس التبغ والورق ليصنع بنفسه سيجارة وقال:
عوض رجل طيب لكن يقال ان زوجته عابثة، يبدو أن الحياة كانت صعبة حين سافر عوض قبل سنوات وانقطعت أخباره وكان لابد لها من تدبير أكل لصغارها. الحياة قاسية، وحين يجوع الانسان لا ينظر كثيرا الى مصدر أكل أطفاله. هو نفسه راجت أخبار أنه قبض عليه وهو يقوم بتهريب أسلحة من الحبشة. الناس كلهم يسرقون، وهو لم يسرق شيئا لكن القانون أعمى لا يعرف الرحمة.
قال الأسير: القانون أعمى دائما لكن حين يمر الضعفاء أمامه يفتح عينيه جيدا!
شرب عبد الحي كأسا اخرى وأعطى الاسير كأسا، ترنح عبد الحي وهو يعود مرة اخرى للقطية، أحضر صحنا متسخا، به بقايا طحالب او فطريات خضراء، مسح الصحن بيده، كان لا يزال متسخا قليلا، لكن الرجل ميت على كل حال. وضع له قليلا من فتة الفول ثم دفع له الصحن من بين القضبان.بقي ساهما لبرهة يحدق في السماء المرصعة بالنجوم ثم رفع صوته قليلا بالغناء ولأنه لم يكن يحفظ سوى كلمات قليلة من الأغنية بدا كأنه يعارك في نفسه.
قال له الأسير كنا زملاء أنا وعوض قبل سنوات طويلة، لم يكن قد أحضر زوجته آنذاك من قريتهم، عملنا سويا كعمال في مجال البناء، كان عوض يشرب كثيرا حتى وهو جالس يبني فوق الحائط العالي وكان مشهورا بخفة يده وسرعتها في العمل، كان أحد العمال يلقي له بقطعة طوب يضع قليلا من الطين ويثبتها بسرعة ويمد يده ليتلقى طوبة اخرى، وكل بضع دقائق كان يشير بيده اشارة مختلفة يفهمها العامل فيلقي له بزجاجة الخمر بدلا عن قطعة الطوب، كان عوض يأخذ منها جرعة واحدة ويعيدها للعامل ثم يمد يده ليتلقى قطعة طوب ويواصل البناء.
يبدو أنه سكر ذات مرة، لم يلاحظ العامل ذلك، حين القى اليه بقطعة الطوب فوجئ بقطعة الطوب تعود اليه وخلفها عوض عباس!
حاول الرقيب عبد الحي أن يضحك لطرافة الموقف لكنه لم يفلح بسبب تمكن السكر منه الا في اخراج فحيح خفيف مثل أفعى، أدخل يده في صحن الفول واستسلم في النوم مباشرة وبقيت يده في الصحن وكأنه يؤدي القسم لمنصب ما، حتى الصباح.
لحسن الحظ أن الرقيب عبد الحي أخلد للنوم وظهره للأسير مما سمح له أن يمد يده ويبحث داخل جيوبه حتى عثر على مفتاح الزنزانة. فتح الباب بهدوء، وسحب قدميه، كان الأسير يشعر بالأسف لأنه يعرف أنه سيدخل الرقيب عبد الحي في ورطة حين يستيقظ صباحا ويكتشف هروب الأسير، لكن الحياة كانت تستحق مجازفة الهرب رغم رداءة العرقي وغلاء الاسعار وجنون الحكومة.
استيقظ عبد الحي فجرا، كان لا يزال يشعر بقليل من السعادة التي اسبغها عليه عرقي جيد، عرف أنه سيصبح زبونا جيدا لست العرقي التي اشترى منها بالأمس بل أنه سيسعى لمساعدتها ان تعرضت لمضايقات من قوات الدفاع الشعبي او الشرطة الشعبية. شعر ببعض الكدر حين تذكرهم، ثم تمطى ولاحظ أن صحن الفول لم ينقص سوى الجزء القليل الذي أعطاه للأسير، أدار عندها جسده لينظر للأسير، فرك عينيه ليتأكد أنه لم يكن يحلم، كان الباب مفتوحا ولا أثر للأسير!
قفزالرقيب عبد الحي واقفا وبحث حوله، توقف ذاهلا عما حوله،ربما اعتقد ان الرجل يقضي حاجته في مكان قريب وسيعود، ثم بدأ يفهم الكارثة التي حاقت به. سيسجن، وسيسحب الشريط اليتيم الذي كافح عدة أعوام حتى حصل عليه. وربما يحكمون عليه بالاعدام فالبلد في حالة حرب. كل شئ جائز وهو لا يعرف حتى شخصا مهما يمكنه أن يساعده في الملمات وسيتشرد أطفاله وربما تصبح زوجته مثل زوجة عوض عباس تمتهن البغاء او بيع العرقي لتربي أولاده، أول فكرة خطرت له أن يهرب فورا، يمكنه الوصل الى الحدود الاثيوبية خلال ساعات، لكن المشكلة في اطفاله، فكر أن يأخذهم معه، وكيف سيعيشون هناك؟ هناك صديق يعيش في مدينة على الحدود ربما يمكنه مساعدته، لكن اخباره مقطوعة منذ سنوات، هل لا يزال يعيش هناك ام انه رحل الى بلاد اخرى؟
فجأة خطرت له فكرة شيطانية، أحضر هؤلاء الجنود السكارى شخصا مؤكد أنهم لم يدققوا في تفاصيل وجهه. ربما بإمكانه احضار شخص آخر يسلمه لهم. فكر في خجل، كيف يسلم للموت شخصا بريئا، لكن فكرته مضت للأمام، حتى الرجل الذي احضروه مؤكد انه برئ، يقبضون على الناس عشوائيا ويرسلونهم للموت. فكر : سيموت الشخص الذي سيعثر عليه على كل حال، الحرب مشتعلة، والمجاعة تسابقها. كثير من الناس يموتون كل مساء بسبب الخمور المحلية المسمومة.وبسبب غلاء الدواء، وبسبب الجوع. ففي كل الاحوال من سيقوده حظه العاثر هو من يريد التقدم بنفسه بدلا من إنتظار الموت في أحياء الفقراء المنسية.
يحضر الجنود عادة مبكرا لإعدام الاسرى، سيكون امامه حوالي ساعتين للعثور على شخص ما أو يجب أن يحاول الهروب. أخذ بندقيته وغادر المعسكر على عجل، سمع صوت آذان الفجر من على البعد لكنه عرف أنه لن يستطيع الاقتراب من وسط المدينة، عليه البحث في أحد الأحياء الطرفية القريبة من المعسكر، حيث لا يمكن ملاحظة فروق كثيرة بين الحياة والموت.
فجأة اصطدم بشخص متعجل، لم يتسن بسبب العجلة أن يحدق فيه جيدا أشرع سلاحه نحوه فورا وأمره بالتوقف. اقترب الرجل منه سائلا عما يريد. حينها فقط رأى رجلا ضخما يرتدي جلبابا قاتم اللون ويحمل عصا ضخمة، فات الوقت للتراجع، أمر الرجل بالسير أمامه، لكن الرجل رفض إطاعة الأمر وسأله بخشونة ما ذا يريد منه. قال الرقيب عبد الحي أن شخصا سرق سلاحا من معسكر الجيش وانه يقوم بتفتيش كل شخص مار بالمنطقة. نظر الرجل بشك، وقال لكنك لست من الشرطة كما يبدو من ملابسك. قال الرقيب عبد الحي: انني امثل السلطة هنا.
اقترب الرجل قليلا وكأنه سيطيع أمره، ثم وجه له فجأة لكمة كادت تحطم وجهه، تركه ملقى أرضا ومضى بخطوات قوية وسريعة. نهض الرقيب عبد الحي بعد قليل، شاعرا بصداع قوي والآم حادة في ظهره، تحامل على نفسه ومضى في بحثه، بسبب الوقت المبكر لم تكن هناك حركة تذكر في الشوارع المعتمة، سوى صياح بعض الديكة والكلاب الضالة. فجأة أشتم رائحة خمر قوية فاعتقد انه يمر قريبا من احدى بيوت الشراب لكن قدمه اصطدمت فجأة بشئ، نظر فرأى رجلا نائما على وجهه من فرط السكر، لم تفلح محاولة ايقاظه، فاضطر لحمله على ظهره، كانت المسافة قد اصبحت بعيدة نوعا ما من المعسكر لكن طاقة الخوف جعلته يحمل الرجل دون ألم حتى وصل الى المعسكر، رغم رائحة الرجل التي أحرقت أنفه: خليط من رائحة العرقي ورائحة عرق الجسد والقئ والبراز. كان الرجل لا يزال غائبا من الوعي حين دفع به الى الزنزانة وأغلق الباب.
تظاهر أنه مشغول بالطبخ في قطيته حين جاء الجنود، أعطاهم مفتاح الزنزانة، سحبوا الرجل وتركوا له المفتاح في باب الزنزانة، لم تمض سوى دقائق قليلة قبل أن يسمع صوت زخات الرصاص ثم صوت محرك السيارة التي ابتعدت الى الطرف الاخر من المعسكر.
في المساء أخرج الرقيب عبد الحي بقية جركان العرقي وتجاهل عدة مرات صوت رنين التليفون، كان جالسا طوال الليل يشرب العرقي ويبكي بدموع غزيرة.
قصة قصيرة
أحمد الملك
ahmadalmalik98@yahoo.com
في الصباح يخرج الرقيب عبد الحي الى المدينة الصغيرة ليشتري مستلزماته القليلة، من التبغ ودقيق الذرة ولحم السمك المجفف. ثم يمر في طريقه لشراء العرقي، قبل أن يعود الى مكان عمله في الحامية الواقعة على أطراف المدينة. حين يذهب لشراء العرقي يكون في العادة مرتديا ملابسه العسكرية الكاملة. لكن لا أحد يأبه له: تمازحه بائعة العرقي قائلة في كل مرة: اذا كانت الحكومة تريد أن تغيب عن الوعي فماذا يفعل الناس الآخرون؟!
العرقي ممنوع حسب قوانين الدولة، لكن الرقيب عبد الحي لا يجد غضاضة في شربه، لم يشغل نفسه بالتفكير كثيرا لم تمنع الحكومة شراب العرقي، لكنه وبمجرد شراب الكأس الأول حين يرخي المساء سدوله بعد أن يبق طوال النهار فريسة لقلق انتظار مغيب الشمس حتى يبدأ الشراب، مجرد أن تلامس شفتيه حموضة الكأس الأول حتى يصل الى يقين أن الحكومة التي تريد حبس مواطنيها طوال اليوم في سجن الوعي، بمشاكله الكثيرة، منصرفات الأطفال وعلاجهم، الفقر والحرب والمجاعة. هي دون شك ليست حكومة صالحة.
مهمة الرقيب عبد الحي هي حراسة المتمردين الذين تلقي وحدات الجيش القبض عليهم، معظم هؤلاء المتمردين يتم القبض عليهم عشوائيا ولا دليل على أنهم بالفعل متمردون، يودعون في حراسة عبد الحي وفي الغالب لا يطول حبسهم اكثر من يوم واحد ولا يكلفون الرقيب عبد الحي سوى وجبة واحدة من غذائه القليل،قبل أن يساقون في الصباح التالي للاعدام رميا بالرصاص.
استطاع اخيرا توفير مبلغ ضئيل من المال اشترى به تليفون محمول ليطمئن أحيانا على زوجته واطفاله . الاشارات ضعيفة بسبب جبلية المنطقة يحتاج أحيانا لتغيير مكانه لتتحسن اشارات الجهاز.
حصيلة المرة الأخيرة كانت متمردا واحدا، كان يبدو مواطنا صالحا أكثر حتى ممن القوا القبض عليه.
جلس الرقيب عبد الحي على حصير أمام الزنزانة التي يقبع المتمرد داخلها. أحضر عبد الحي جركان العرقي وصحنا من البلاستيك الأحمر مملوء حتى وجهه بفتة الفول، شرب قليلا من العرقي، لا يذكر متى شرب شرابا بمثل هذا المستوى الجيد، لو أنه أشعل سيجارة ستشتعل دواخله من فرط نقاء العرقي، ضحك حين تذكر قصة رجل كان يهدد ستات العرقي يوم كسوف الشمس بالويل والثبور، ويقول لهن أن غضب السماء وانكساف الشمس بسبب غشهن للزبائن واضافة الماء للعرقي!
بعد الكأس الأول وبفعل تأثير الخمر الجيدة شعر بحاجته لتقديم معروف لشخص ما، ذهب الى قطيته القريبة وبحث عن شئ ما، عثر على كوب زجاجي متسخ، به آثار سائل متيبس ربما كان قهوة أو شاي أو أية شئ آخر، سكب في الكوب دون ان يغسله بعض العرقي وناوله للأسير من خلال قضبان الباب قائلا في سره: سيموت غدا فما المانع أن يبتهج للمرة الأخيرة في حياته، ربما ان بقي سكرانا حتى الصباح لا يشعر ولا حتى بطلقات الرصاص.
شرب الأسير الكوب دفعة واحدة، وشكر عبد الحي، قال عبد الحي: هل أنت جائع ؟ يمكنني أن اعطيك بعض فتة الفول، قال الأسير، اريد كوبا آخر من هذا العرقي القوي، من المحزن الا تكتشف وجود عرقي جيد مثله الا في آخر يوم في حياتك!.
لبث الرقيب عبد الحي برهة يفكر حين سمع قول الأسير، لم يعرف هل يبكي أم يضحك. كان يشعر بطيبة غير عادية تدفقت الى دواخله، كأن العرقي الجيد كشف الغطاء عن حقيقة نفسه العاشقة للبشر.
رن جرس تليفونه الجوال، فشرب بسرعة كأسه بعد أن اعطى السجين كأسا اخرى. كانت زوجته، يا للكارثة، صرخ بجزع: هل حدث شئ؟ ضحكت المرأة وقالت لا شئ أحضر الولد رصيدا للموبايل وقبل أن ينفد فكرنا أن نسلم عليك، لأن الشبكة تكون قوية ليلا كما يقول الناس.
سألها عبد الحي عن الاحوال ثم سأل عن جار كان مريضا قبل فترة حين زار القرية عرف أنه أجرى جراحة كاد يموت بعدها بسبب جرعة مخدر زائدة. ضحك عبد الحي عليه وقال له: لماذا توقفت عن الشراب؟ لو كنت تشرب مثلنا العرقي ،لما شعرت أساسا بالمخدر.
بعد ان انتهت المكالمة، قال الأسير: أنت تعرف عوض عباس اذن؟ هل عثر على ابنه ام لا يزال مفقودا؟
يا للكارثة قال عبد الحي في سره: لدينا أصدقاء مشتركين ايضا. ثم رفع صوته، لا يزال الولد مفقودا، يقال انه هرب الى الحبشة وتزوج بفتاة هناك. وبعض الناس يقولون انه قبض عليه بواسطة الجيش لاداء الخدمة العسكرية ومات في معارك الجنوب. لم يجد عبد الحي بدا من افشاء بعض الاسرار الزوجية ما دام محدثه سيفارق الحياة غدا. أشعل سيجارة القمشة ومد للسجين كيس التبغ والورق ليصنع بنفسه سيجارة وقال:
عوض رجل طيب لكن يقال ان زوجته عابثة، يبدو أن الحياة كانت صعبة حين سافر عوض قبل سنوات وانقطعت أخباره وكان لابد لها من تدبير أكل لصغارها. الحياة قاسية، وحين يجوع الانسان لا ينظر كثيرا الى مصدر أكل أطفاله. هو نفسه راجت أخبار أنه قبض عليه وهو يقوم بتهريب أسلحة من الحبشة. الناس كلهم يسرقون، وهو لم يسرق شيئا لكن القانون أعمى لا يعرف الرحمة.
قال الأسير: القانون أعمى دائما لكن حين يمر الضعفاء أمامه يفتح عينيه جيدا!
شرب عبد الحي كأسا اخرى وأعطى الاسير كأسا، ترنح عبد الحي وهو يعود مرة اخرى للقطية، أحضر صحنا متسخا، به بقايا طحالب او فطريات خضراء، مسح الصحن بيده، كان لا يزال متسخا قليلا، لكن الرجل ميت على كل حال. وضع له قليلا من فتة الفول ثم دفع له الصحن من بين القضبان.بقي ساهما لبرهة يحدق في السماء المرصعة بالنجوم ثم رفع صوته قليلا بالغناء ولأنه لم يكن يحفظ سوى كلمات قليلة من الأغنية بدا كأنه يعارك في نفسه.
قال له الأسير كنا زملاء أنا وعوض قبل سنوات طويلة، لم يكن قد أحضر زوجته آنذاك من قريتهم، عملنا سويا كعمال في مجال البناء، كان عوض يشرب كثيرا حتى وهو جالس يبني فوق الحائط العالي وكان مشهورا بخفة يده وسرعتها في العمل، كان أحد العمال يلقي له بقطعة طوب يضع قليلا من الطين ويثبتها بسرعة ويمد يده ليتلقى طوبة اخرى، وكل بضع دقائق كان يشير بيده اشارة مختلفة يفهمها العامل فيلقي له بزجاجة الخمر بدلا عن قطعة الطوب، كان عوض يأخذ منها جرعة واحدة ويعيدها للعامل ثم يمد يده ليتلقى قطعة طوب ويواصل البناء.
يبدو أنه سكر ذات مرة، لم يلاحظ العامل ذلك، حين القى اليه بقطعة الطوب فوجئ بقطعة الطوب تعود اليه وخلفها عوض عباس!
حاول الرقيب عبد الحي أن يضحك لطرافة الموقف لكنه لم يفلح بسبب تمكن السكر منه الا في اخراج فحيح خفيف مثل أفعى، أدخل يده في صحن الفول واستسلم في النوم مباشرة وبقيت يده في الصحن وكأنه يؤدي القسم لمنصب ما، حتى الصباح.
لحسن الحظ أن الرقيب عبد الحي أخلد للنوم وظهره للأسير مما سمح له أن يمد يده ويبحث داخل جيوبه حتى عثر على مفتاح الزنزانة. فتح الباب بهدوء، وسحب قدميه، كان الأسير يشعر بالأسف لأنه يعرف أنه سيدخل الرقيب عبد الحي في ورطة حين يستيقظ صباحا ويكتشف هروب الأسير، لكن الحياة كانت تستحق مجازفة الهرب رغم رداءة العرقي وغلاء الاسعار وجنون الحكومة.
استيقظ عبد الحي فجرا، كان لا يزال يشعر بقليل من السعادة التي اسبغها عليه عرقي جيد، عرف أنه سيصبح زبونا جيدا لست العرقي التي اشترى منها بالأمس بل أنه سيسعى لمساعدتها ان تعرضت لمضايقات من قوات الدفاع الشعبي او الشرطة الشعبية. شعر ببعض الكدر حين تذكرهم، ثم تمطى ولاحظ أن صحن الفول لم ينقص سوى الجزء القليل الذي أعطاه للأسير، أدار عندها جسده لينظر للأسير، فرك عينيه ليتأكد أنه لم يكن يحلم، كان الباب مفتوحا ولا أثر للأسير!
قفزالرقيب عبد الحي واقفا وبحث حوله، توقف ذاهلا عما حوله،ربما اعتقد ان الرجل يقضي حاجته في مكان قريب وسيعود، ثم بدأ يفهم الكارثة التي حاقت به. سيسجن، وسيسحب الشريط اليتيم الذي كافح عدة أعوام حتى حصل عليه. وربما يحكمون عليه بالاعدام فالبلد في حالة حرب. كل شئ جائز وهو لا يعرف حتى شخصا مهما يمكنه أن يساعده في الملمات وسيتشرد أطفاله وربما تصبح زوجته مثل زوجة عوض عباس تمتهن البغاء او بيع العرقي لتربي أولاده، أول فكرة خطرت له أن يهرب فورا، يمكنه الوصل الى الحدود الاثيوبية خلال ساعات، لكن المشكلة في اطفاله، فكر أن يأخذهم معه، وكيف سيعيشون هناك؟ هناك صديق يعيش في مدينة على الحدود ربما يمكنه مساعدته، لكن اخباره مقطوعة منذ سنوات، هل لا يزال يعيش هناك ام انه رحل الى بلاد اخرى؟
فجأة خطرت له فكرة شيطانية، أحضر هؤلاء الجنود السكارى شخصا مؤكد أنهم لم يدققوا في تفاصيل وجهه. ربما بإمكانه احضار شخص آخر يسلمه لهم. فكر في خجل، كيف يسلم للموت شخصا بريئا، لكن فكرته مضت للأمام، حتى الرجل الذي احضروه مؤكد انه برئ، يقبضون على الناس عشوائيا ويرسلونهم للموت. فكر : سيموت الشخص الذي سيعثر عليه على كل حال، الحرب مشتعلة، والمجاعة تسابقها. كثير من الناس يموتون كل مساء بسبب الخمور المحلية المسمومة.وبسبب غلاء الدواء، وبسبب الجوع. ففي كل الاحوال من سيقوده حظه العاثر هو من يريد التقدم بنفسه بدلا من إنتظار الموت في أحياء الفقراء المنسية.
يحضر الجنود عادة مبكرا لإعدام الاسرى، سيكون امامه حوالي ساعتين للعثور على شخص ما أو يجب أن يحاول الهروب. أخذ بندقيته وغادر المعسكر على عجل، سمع صوت آذان الفجر من على البعد لكنه عرف أنه لن يستطيع الاقتراب من وسط المدينة، عليه البحث في أحد الأحياء الطرفية القريبة من المعسكر، حيث لا يمكن ملاحظة فروق كثيرة بين الحياة والموت.
فجأة اصطدم بشخص متعجل، لم يتسن بسبب العجلة أن يحدق فيه جيدا أشرع سلاحه نحوه فورا وأمره بالتوقف. اقترب الرجل منه سائلا عما يريد. حينها فقط رأى رجلا ضخما يرتدي جلبابا قاتم اللون ويحمل عصا ضخمة، فات الوقت للتراجع، أمر الرجل بالسير أمامه، لكن الرجل رفض إطاعة الأمر وسأله بخشونة ما ذا يريد منه. قال الرقيب عبد الحي أن شخصا سرق سلاحا من معسكر الجيش وانه يقوم بتفتيش كل شخص مار بالمنطقة. نظر الرجل بشك، وقال لكنك لست من الشرطة كما يبدو من ملابسك. قال الرقيب عبد الحي: انني امثل السلطة هنا.
اقترب الرجل قليلا وكأنه سيطيع أمره، ثم وجه له فجأة لكمة كادت تحطم وجهه، تركه ملقى أرضا ومضى بخطوات قوية وسريعة. نهض الرقيب عبد الحي بعد قليل، شاعرا بصداع قوي والآم حادة في ظهره، تحامل على نفسه ومضى في بحثه، بسبب الوقت المبكر لم تكن هناك حركة تذكر في الشوارع المعتمة، سوى صياح بعض الديكة والكلاب الضالة. فجأة أشتم رائحة خمر قوية فاعتقد انه يمر قريبا من احدى بيوت الشراب لكن قدمه اصطدمت فجأة بشئ، نظر فرأى رجلا نائما على وجهه من فرط السكر، لم تفلح محاولة ايقاظه، فاضطر لحمله على ظهره، كانت المسافة قد اصبحت بعيدة نوعا ما من المعسكر لكن طاقة الخوف جعلته يحمل الرجل دون ألم حتى وصل الى المعسكر، رغم رائحة الرجل التي أحرقت أنفه: خليط من رائحة العرقي ورائحة عرق الجسد والقئ والبراز. كان الرجل لا يزال غائبا من الوعي حين دفع به الى الزنزانة وأغلق الباب.
تظاهر أنه مشغول بالطبخ في قطيته حين جاء الجنود، أعطاهم مفتاح الزنزانة، سحبوا الرجل وتركوا له المفتاح في باب الزنزانة، لم تمض سوى دقائق قليلة قبل أن يسمع صوت زخات الرصاص ثم صوت محرك السيارة التي ابتعدت الى الطرف الاخر من المعسكر.
في المساء أخرج الرقيب عبد الحي بقية جركان العرقي وتجاهل عدة مرات صوت رنين التليفون، كان جالسا طوال الليل يشرب العرقي ويبكي بدموع غزيرة.
Wednesday, November 3, 2010
أمونة تشكو الحكومة
أيقظت أمونة رجل الشرطة النائم في المكتب الصغير الذي يبدو بطلاء جدرانه المتقشر والخيوط المتهدلة من السقف ، وكأنه علي وشك ان ينطبق علي جسد الشرطي الضخم الغارق في عرقه . استيقظ الشرطي مذعورا وتفرق جيش الذباب النائم فوقه، مد يده آليا ليسحب قميص البدلة العسكرية المعلق علي مسمار في الجدار ويرتديه علي مهل ويمسح التراب من نظارته قبل ان يضعها فوق وجهه، ليفاجأ بمشهد امرأة تلبس عباءة سوداء وتمد له بورقة وقد إكتسي وجهها غضبا وصرامة. قالت له : هل ينام رجال الشرطة اثناء اداء اعمالهم؟ أشار بيده الي علبة دواء كلوروكوين امامه وعلبة دواء البنادول وقال : انها الملاريا اللعينة.
قالت مندهشة دون ان يخفف ذلك من صرامة وجهها: وهل تصيب الملاريا ايضا رجال الشرطة؟
مد يده ليتسلم الورقة ويقرأ آليا أول سطر فيها، ثم يبادرها بعد ان إستعاد شيئا من إعتداده بنفسه وسلطته التي قللت حمي الملاريا و النوم في هذا القيظ وسط الذباب ورائحة غائط الاطفال في الفناء من هيبتها.
قال لها هل جننت يا امرأة؟ تريدين تقديم شكوي ضد الحكومة لأن زوجك طلقك، وخفف من حدة صوته حين وجد انها كانت تنتظره بصبر نافذ، فواصل: وماذا تريدين من الحكومة ان تفعل لك ان كان عندك مشاكل مع زوجك، وابتسم حين تذكر عبارة سمعها كثيرا في جهاز الراديو: ربما تريدين ان تضع الحكومة قوات سلام بينك وبين زوجك!وضحك بصوت عال وهو يقول: هل تحولت الحكومة الي ( الجواد) أم الي مأذون!
لم تضحك المرأة او حتي تبتسم، قالت له بحزم: أقرأ بقية العريضة أولا.
كانت تلك نهاية ثلاثة أعوام من الضياع بدأت في اليوم الذي تقدم فيه عبد النعيم المزارع القصير القامة، الاسود البشرة الطيب الوجه ليصطحبها من البيت الذي عاشت فيه كل أعوام عمرها مع والدتها وشقيقها. حياتها قبل ذلك كانت تبدو امتدادا لبحر الرمال الذي يقع بيتهم الصغير وسطه محاطا بأشجار المسكيت التي لم تفلح كثيرا في صد بحر الرمال الزاحفة وأحيانا كانت تشرق عليهم الشمس وهم نصف مدفونين في الرمال. لقرابة الثلاثة عقود كان برنامجها واحدا، تستيقظ صباحا لتحلب الماعز وتعد الشاي لأمها وشقيقها ثم تخرج لتجمع بعض جريد النخيل لتعد طعام الافطار ثم تنطلق مع ثروتهم القليلة من الماعز والضان الي بقايا حقول الذرة والقمح.
ثمة احتمال واحد تضاءلت فرصه بمرور السنوات للخروج من رتابة حياتها. ان يظهر شخص ما طالبا الزواج منها.ما ان ينتهي موسم الشتاء ويجمع المزارعون المحصول ويبيعونه للتجار حتي ينتعش سوق الزواج وتنطلق الزغاريد تمزق رتابة خمول الحياة في موسم الصيف الحار حيث لا تبقي من وسائل للتسلية سوي انجاب الاطفال او الموت. اما ان تقام الافراح او يتقدم شخص ما يطلق عليه اسم كبودار يكون في العادة صبيا يركب حمارا يجوب به القري ليعلن موت شخص ما فيندفع الناس لحضور مراسيم التشييع والبقاء بضع ايام في المسيد الذي تقام فيه مراسيم العزاء ويكون هناك في العادة اكل جيد وتبغ وفرصة لسماع الاخبار.
كل بداية صيف كانت أمونة تجلس ترخي أذنيها استعدادا لسماع صوت خطوات ذلك القادم، فلا تسمع سوي صوت الريح العابرة بين كثبان الرمال المليئة بشجيرات نبات الحلفاء.أسلمت نفسها لكل أنواع البخور والادوية التي تحضرها أمها من شيخ علي الحزين لفك العارض الذي يمنع زواجها، دون جدوي، وعاما تلو عام كانت تقدم تنازلات جوهرية في مواصفات ذلك القادم ، نزعت عنه بمرور السنوات صفة الفارس وأركبته حمارا بدلا من الحصان الابيض. واكتفت اقتصادا في الاحلام بمؤهلات متواضعة له فبدا دميما ومعدما يكاد لا يقوي حتي علي الاعتماد علي نفسه .
يغرد عصفور ابو البشير فوق شجرة المسكيت معلنا قرب ظهور شخص ما، فتقول سعيدة الرمالية التي تمسح الرمال الصفراء امامها قبل ان تلقي ودعاتها: هناك (شوار). ثم تصف من هيئة قطع الودع المنظر الذي تراه: منظر قطع الودع المتناثر في نصف دائرة، هو مشهد الرجال الذين يحضرون ابرام عقد الزواج. العروس في الداخل مثقلة بالذهب(المشدق).أمونة كانت تستمع لها كل مرة بحزن، تعرف ان سعيدة الرمالية لم تكن تكذب، لكنها لم تكن تقرأ المستقبل، بل كانت تقرأ أفكارها. كل مرة مع مقدم الصيف وظهور سعيدة الرمالية كانت امونة تجري اختبارا صغيرا لتتأكد من صدق فرضيتها. تضع صورة فارس أحلامها في واجهة الذاكرة لتكمل سعيدة الرمالية وصف ادق تفاصيل وجهه علي قطع الودع.
حتي الصيف الذي وصفت فيه سعيدة الرمالية شخصا آخر. كانت هيئة فارس أحلام أمونة شخصا متعجلا غامض التفاصيل مشتبكا في مشادة دائمة مع كل الاشياء من حوله حتي أنه حين عمل سائقا لفترة من الزمان طرد من وظيفته بسبب ادمانه للشجار مع سائقي عربات التاكسي وعربات النقل والعربات الخاصة والدراجات بل أنه كان يتشاجر حتي مع اشارات المرور التي كان علي ثقة من انها كانت تتحول للضوء الاحمر فقط لأن دوره جاء ليعبر. طويل القامة، لم يشرب الخمر ولا حتي من اجل التسلية. لكن سعيدة رأته في صورة مغايرة: قصير القامة، خطواته قصيرة، حقق مع العالم من حوله تصالحا دائما ليس فقط بسبب شخصيته المحبة للعزلة ولكن لأنه لم يكن يرغب فى رؤية شئ أبعد من أحلامه الليلية.
لاحظت سعيدة: سيأتي بعد ان تقطعت به السبل. لم تهتم أمونة للملاحظة غير المهمة حاولت اخفاء آثار شعورها بالذنب كلما تحدث شخص ما عن موضوع زواجها. وذهبت لاحضار الحطب لتعد القهوة لسعيدة الرمالية. حين فتحت الباب وجدت عبد النعيم واقفا بقامته القصيرة وعيونه الحمراء من اثار الخمر. كان يبدو مترددا لم يطرق الباب رغم وقوفه لبعض الوقت هناك ويبدو انه كان علي وشك العودة من حيث أتي لو لم تفتح أمونة الباب فجأة. سلم عليها بارتباك وسأل ان كان شقيقها الطيب موجودا، اشارت له ليدخل وذهبت تنادي علي الطيب الذي كان مشغولا بعمل زريبة جديدة للبهائم شرق البيت. وواصلت طريقها لاحضار الحطب. عادت بعد قليل تحمل حزمة من الحطب وضعتها أرضا في الدونكا وشرعت في اعداد القهوة.
قال شقيقها الطيب الذي جاء ليحمل القهوة للضيف : سيكون عقد الزواج يوم الخميس.
لم ترد أمونة، لكنها شعرت بخوف غامض من الحياة الجديدة التي ستبدأ. شعرت بالحنين لتفاصيل الحياة التي ستفتقد، وان هذا الزواج الذي سيحميها فقط من الشعور بالذنب تجاه الاخرين سيسلبها حريتها. همست لها امها وهي تودعها لحظة الخروج: امه حاجة مك الدار امرأة صعبة جدا (طولي بالك معاها). خرجت يحمل زوجها متاعها القليل يتبعهم شقيقها الذي حمل بقية متاعها وماعز اللبن.
مضت الايام الاولي في هدوء رغم ان أمه بادرتها منذ اللحظة الاولي بعداء صامت دون هوادة. طوال اليوم كانت أمونة تعمل في البيت او رعي البهائم. تذهب للغابة القريبة لاحضار الحطب وتعد الطعام وتغسل ملابس زوجها وملابس والدته وتكنس الفناء الواسع يوميا. وتواجه كراهية أم زوجها بصبر.كانت تكتشف كل يوم حين تعود من الرعي ان العجوز خربت أحواض زهور نبات صباح الخير التي زرعتها في الفناء ورغم ذلك لا تجرؤ امونة علي سؤالها، وسمعتها يوما تقول له : (باين عليك متزوج ليك مرة عاقر. كم مرة قلت ليك عرس ليك بت صغيرة ما سمعت الكلام.)
في ذلك اليوم تحديدا جاء ليلا سكرانا، كانت امونة نائمة مساء حين ايقظها بغلظة لتعد له العشاء. لم تجد امونة شيئا تعده له فأعدت له خبز السناسن باللبن الرايب والسكر. حين احضرت له الاكل كان نائما، ايقظته فهب واقفا ثم سقط ارضا قبل ان ينهض بعد قليل ويشمر يديه محاولا ان يأكل اكتشف بسرعة ان العشاء باللبن، دلق الاكل ارضا واستجمع قوته ليقترب من أمونة ويصفعها.
ضربها حتي تعب وسقط ارضا فساعدته ليصل الي فراشه. في اليوم التالي كان لا يزال سكرانا فواصل ضربها، بدت والدته وكأن ما يحدث أمامها لا يعنيها. كانت جالسة في الراكوبة وسط البيت علي عنقريب صغير وسط ازيار الماء وبدت بثوبها الاحمر ووجهها الذي غطت التجاعيد علي شلوخه كأنها هي نفسها زير قديم من عصور مغرقة في القدم.
جاء الطيب في المساء بعد ان سمع ان شقيقته تتعرض للضرب من زوجها جاء يسحب عربة كارو بحماره وامام انظار الزوج وامه ساعد اخته لتحمل متاعها القليل لتذهب معه. كان عبد النعيم قد واصل الشراب طوال النهار ولحظة خروج زوجته كان جالسا فوق الجدار يغني لها بصوت حماري:
يا غريب يلا يلا لي بلدك..!
وسوق معاك .. وقبل ان يقول ولدك تذكر كلام أمه فقال : وولد ذاتو تسوقو ما عندك!
غادرت امونة وشقيقها في ضوء القمر يتبعهما الصوت الكارثي: يا غريب يلا يلا لي بلدك.
عادت الي بلدها. واستأنفت حياتها من لحظة توقفها، لم تسألها امها عما حدث ولم يقل شقيقها شيئا. بعد ثلاثة ايام جاء عبد النعيم. كان قد استعاد هدوءه وزال احمرار عيونه، جاء مصطحبا شيخ النور رئيس اللجنة الشعبية. قال شيخ النور للطيب: الزول دة غلط وجايي يصلح الغلط ومعليش السكران في ذمة الواعي، هسع هو وعد يبطل الشراب. لم يعلق الطيب، احضر لهما القهوة ثم عاد الي اخته وقال: يريد عبد النعيم ان ترجعي معه الي البيت، هل توافقين؟
فكرت أمونة قليلا ووافقت باشارة من رأسها.
لاحظت أن كراهية ام زوجها ازدادت في مقابل هدوء زوجها.مرة قذفت بصحن الاكل الي الارض لأن الملح كان ناقصا قليلا.ورغم انها لم تكن تتحرك من مكانها في الراكوبة طوال اليوم لكن امونة كانت تشعر بها موجودة بريح كراهيتها في كل مكان في البيت. حتي انها فكرت مرة في انه لن يريحها من هذه العجوز سوي الموت. وفكرت في الحل السريع : صبغة الشعر. قررت ان تضع للعجوز قليلا من الصبغة في عصيدة الحلبة التي تحب العجوز شرابها مع اللبن والسمن البلدي صباحا.
قالت لزوجها الذي اعتدل مزاجه بعد ان توقف مؤقتا عن الشراب: اريد الذهاب الي السوق لشراء بعض الاشياء، اعطاها نقودا وطلب منها ان لا تنسي ارتداء نقاب يغطي جسمها كله عند ذهابها للسوق، حتي لا ينظر اليها الغرباء الذين يعج بهم سوق السبت وكذلك حتي لا تحدث لها مشكلة مع رجال الشرطة الشعبية الذين يراقبون ملابس النساء.
اشترت امونة من تاجر فلاتي صبغة الشعر واشترت علبة حناء واشترت قليلا من العطور الهندية الغالية التي تباع بالوزن. واشترت لنفسها ولوالدة زوجها احذية خفيفة تصلح لحرارة الجو رغم خطورتها ليلا بسبب العقارب في الفناء.
بعد شراء كل مستلزماتها جاءت امونة لتنتظر المواصلات، جلست وسط مجموعة من النسوة الجالسات ايضا في انتظار المواصلات، ولأنها كانت ترتدي النقاب فإن اي من النسوة لم تتعرف عليها ولم يتحدث معها احد. بعد قليل لاحظت حركة غريبة من حولها، جاء احد رجال الشرطة الشعبية وبقي يحدق فيها. وسأل النسوة ان كن يعرفنها فاجبن بالنفي، فقال الرجل بصوت جذب كل الفضوليين في السوق: شكلها يبدو مثل رجل، يظهر انه رجل متنكر يريد ان يجلس وسط النساء!
طلب منها الشرطي ان تذهب معهم الي نقطة الشرطة للكشف عليها، تجمع الناس وزفوها الي نقطة الشرطة ، ادخلت الي غرفة صغيرة داخل النقطة المتهدمة وتولت امرأة رفع الثو ب عنها. دفعت المرأة يدها في صدر أمونة فعثرت علي بقايا ثدي جاف، صرخت بهلع : انها امرأة! خرجت أمونة في حالة فقدان وعي لم تلتفت ولا حتي للشرطي الذي ناداها لتحمل النقاب الذي تركته في مركز الشرطة ولا لجمهرة الناس في الخارج او همس النساء : يا لسعادتها لقد اصبحت رجلا بقرار من الحكومة!
لم تنتبه حتي الي انها تركت حاجياتها في مكان ما وتركت معها صبغة الانقاذ.مضت بخطوات عسكرية دون ان تكترث حتي لفلول الناس الهاربة من امامها اثر هجوم رجال الجيش علي السوق بحثا عن شبان لارسالهم الي الحرب ولا حزن الارامل الجالسات علي الطرقات في انتظار شخص ما أضعن تفاصيل وجهه في عتمة الذاكرة .
Subscribe to:
Comments (Atom)